16 أغسطس 2008
لا يخفى على متابع دقيق عدد المشاكل التي نعانيها في مجال التعليم الطبي، مشاكل على مستوى المنهج، وعضو هيئة التدريس، وطرق وأساليب التعليم، وأساليب التقويم، وعلى مستوى الطالب نفسه. وأعلم أن في كل كلية طبية أو صحية في أي مكان في العالم مشاكل تواجه القائمين على أمر هذه الكليات، ولا ضير في ذلك، إذ إنه نتيجة طبيعية لأي مجهود تعليمي بشري، بل قد يكون علامة صحة وحياة ترشد المؤسسة الأكاديمية على موطن الخلل لتسعى لحله وتفاديه وتحسين مخرج التعلم. النقطة الحرجة هنا حين نصل إلى مرحلة لا ندري ما هي مشاكلنا أو إذا عرفناها فإننا لا نريد أن نسمع عنها شيئاً ويأتيك من يقول لماذا لا تكتبون عن الإيجابيات؟؟ أما ما يجعلنا نسقط في هاوية التيه الأكاديمي فهو أننا نعرف جميع مشاكلنا لكننا لا نريد لها حلاً ولا نسعى له إما عجزاً وكسلاً وهو الغالب وإما قلة حيلة وخبرة وسذاجة وإما مكراً ومكابرة ورغبة أكيدة في عدم التغيير!!
والحق أننا نملك جميع عناصر التميز والتطوير الأكاديمي ولكن ينقصنا التوجه الإداري الجاد والتخطيط المنسق لعملية التطوير. إذ إن وجود الكادر الأكاديمي الطبي الوطني المدرب في جامعات عالمية وبهذه الكثافة العددية - على الأقل في كليات الطب - لهو علامة قوة ولاشك، بل ورقة رابحة تنجح في كسب أية عملية تطويرية، ولكن علينا أن نعرف أولاً كيف نفرق بين كفاءة الأداء الطبي المتمثل في الفحص والمعاينة والعلاج وبين كفاءة الأداء التعليمي لهؤلاء الأطباء. فليس كل طبيب يحسن التدريس والتعليم والتخطيط لهما، لأن هذا فن متفرد وعلم مستقل!
والخطأ الأكبر الذي ألحظه وبالذات في فورة إنشاء كليات طب جديدة هو العناية القصوى بالمباني الإسمنتية ومواقف السيارات والتعاقد السريع مع من هب ودب ليلتحق بأعضاء هيئة تدريس الكلية، ثم إذا وصل الأمر عند المناهج تمت الاستعانة بالمنهج القديم لكلية أخرى زميلة في المنطقة مما ينتج بالتالي اجتراراً لنفس المشاكل التعليمية وعزفاً لنفس أنشودة التخلف الأكاديمية! والأخطر من موضوع المناهج المستعارة هو الإغفال التام لاعتماد قسم أو مركز للتعليم الطبي يشرف على كفاءة وجودة أداء العملية التعليمية، وهذا بخلاف عمل الوكالات الأكاديمي التي لا يجاوز عملها - على أهميته - غير تنسيق الجداول ورصد الدرجات! دع عنك اللجان الصورية والأقسام الوهمية التي تنشأ في بعض الكليات باسم التعليم الطبي أو الجودة والتطوير بدون أية خطة عملية وبدون أية سلطة بل وبدون حتى ريال واحد في ميزانياتها!
والأهم عند النظر في قضية مراكز التعليم الطبي، هو عدم الانزلاق المتوقع والمعتاد - إذا ما تم اعتماد إنشائه - خلف التصاميم الحديثة العصرية، وتجهيزات المراكز العالمية، والاعتمادات والعروض المالية، ولعبة العلاقات والمصالح المتبادلة، ثم إذا ما أنشئ - طبعاً بعد عدة سنوات من العمل المتلكئ والمتقطع - أنشئ بميزانية تكفي لإنشاء ثلاثة مراكز لا إنشاء مركز واحد وحسب!
لنركز على حقائق الأشياء ودعونا من الصور الخادعة والكلمات السرابية، إن مركزاً كهذا بالإمكان أن يبدأ العمل بفعالية كبيرة بوجود خبير واحد في التعليم الطبي - وليس بالضرورة أن يكون طبيبا ً- ووجود سكرتارية مؤهلة ودعم تقني عال، وقبل كل ذلك وبعده وظائف وأهداف واضحة وصلاحيات واسعة.
إن من أهم ما يجب أن يضطلع به هذا المركز هو متابعة الأداء الأكاديمي للطلاب، إن طلابنا - أيها السادة - لا يلقون أي لون من ألوان الدعم أو التوجيه الأكاديمي، بل يتركون هكذا هملاً ليواجهوا معضلات كبيرة تعترض طريقهم التعليمي بأنفسهم! وتشمل هذه المتابعة التحصيل العلمي لكل مادة ليتم تقديم العون والتوجيه لمن يتدنى معدله، بل إن متابعة الطلاب تستمر في بعض كليات الطب العالمية لمرحلة ما بعد التخرج بسنين، وينتج عن ذلك عمل العديد من البحوث المهمة والمؤثرة في تحديد مسارات التعليم الطبي حسب عطاءات وكفاءات خريجي هذه الكلية وحسب متطلبات المجتمع الذي يمارسون فيه.
إن هذا المركز وبالصلاحيات التي سيملكها سيعمد إلى نزع.. نعم نزع سلطة الأقسام في التحكم بمناهجها كما تشاء، فتقر ما تراه وتلغي بدون أية مراعاة لما تعلمه الأقسام الأخرى وأحياناً بدون مراعاة لما يعلمه الزميل في نفس القسم والذي يدرس جزءاً آخر من المادة! هذا المركز سيعمد إلى اتباع سياسة مركزية مبنية على الكفايات العلمية والمهارية والسلوكية المتوقع وجودها في خريج كلية الطب، وعلى أساس هذه الكفايات فقط تصاغ المناهج لا على أساس أمزجة رؤساء الأقسام!
ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب بل يشمل متابعة وتقنين وتوحيد العملية التقويمية في الكلية، وعمل معايير علمية لمعرفة ما إذا كانت اختبارات كل قسم تمثل حقيقة ما تم تدريسه، أم إن التدريس في جهة والاختبارات في جهة أخرى؟ وهل تصاغ الأسئلة بصورة علمية صحيحة أم إنها خاضعة لمزاج الأساتذة؟ ودراسة أداء طلاب الكلية في الاختبارات الإقليمية والعالمية، وما التغيير الذي يجب أن يتم في العملية التعليمية لتحسين أداء الطلاب في هذه الاختبارات؟
ومن أخطر ما على المركز عمله والإشراف عليه هو عملية التطوير الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس، إننا يجب أن نكف عن إقحام الأطباء الاستشاريين حديثي التخرج في العملية التعليمية بدون أن يتم تدريبهم وتأهيلهم في مهارات التدريس والتعليم، كما يجب أن نوقف ما يزرعه بعض الأساتذة المتمرسين من أمراض نفسية في طلابنا، إن عملية التطوير الأكاديمي في مجال التعليم الطبي لأعضاء هيئة التدريس لن تؤتِ ثمارها ما لم يقتنع بها وبأهميتها صانع القرار الأكاديمي في جامعاتنا، ومن ثمَّ تخصيص ميزانية معقولة لتنفيذ برامج التطوير التي بالإمكان أن تتم بأيد وطنية صرفة، على أن تكون هذه البرامج إلزامية لأعضاء هيئة التدريس، كما يجب إدراج مدى كفاءة عضو هيئة التدريس في العملية التعليمية عند دراسة الترقية الأكاديمية له، وضرورة الأخذ برأي الطلاب وزملاء هذا الأستاذ.
مهام أخرى على المركز أن يقوم بها مثل إيجاد آلية عملية علمية لبرنامج قبول الطلاب السنوي، من مثل إدخال تقنيات حديثة كالتعليم الإلكتروني وكيفية مساهمته في تخفيف الأعباء عن أعضاء هيئة التدريس، كذلك اقتراح حلول جذرية لمشكلة التدريب السريري لطلابنا، إذ أعلن هنا وبصوت عال لكن بكل هدوء أن التدريب السريري لطلابنا في جل كليات الطب في بلادنا فيه خلل شديد وأنه لا يحقق المأمول منه بالطريقة المستخدمة حالياً. وفي ذلك تفصيل لا مجال له الآن.
وبعد.. فإن مراكز التعليم الطبي تهدف إلى قيادة سفينة التعليم والتعلم إلى بر الفهم والفاعلية والكفاءة، وبدونها فإن مسيرة التعليم في كليات الطب تسير بلا وجهة في ليل بهيم وريح عاتية.
جريدة الوطن السعودية -السبت 15 شعبان 1429هـ الموافق 16 أغسطس 2008م العدد (2878) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 2 »
9 يوليو 2008
هناك دراسات أدبية عدة تدرس فن النكتة عند الشعوب، وكيف أنها تعكس أثر حدث اجتماعي أو سياسي بطريقة فيها الكثير من الخيال الواسع اللامعقول والتضخيم والمبالغة، إلا أن العنصر الأهم في الطرفة أو النكتة هو عنصر المفاجأة الخارقة التي لا يتوقعها أحد والتي تبهر العقل طرباً وعجباً ومرحاً لتنطلق ابتسامات عريضة وأحياناً ضحكات عالية تتطور إلى قهقهات قد تدمع العينين.
وجرى العرف واصطلح الناس في عدة بلاد عربية على استخدام لفظ (نكتة) للدلالة على هذه القصة القصيرة جداً والتي فيها دلالة ما وتعتمد كثيراً على مهارة وحذاقة من يلقيها، ونجد في كتب التراث استخدام لفظ (نكتة) للدلالة على لمحة عابرة أو فكرة مميزة، أو كما يقول الجرجاني عن النكتة إنها (مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من: نكت رمحه بأرض، إذا أثر فيها وسميت المسألة الدقيقة: نكتة، لتأثير الخواطر في استنباطها)، ولا يبعد الاستخدام المعاصر كثيراً عن هذا الاستخدام إلا بكثير من الطرافة والغرابة والسخرية، ووجدت معاني ودلالات لغوية أخرى للفظ (نكتة) فهناك همٌ وغم نكت (بتسكين الكاف) الأرضِ بالقضيب وهو أن يؤثر فيها بطرفه فعل المفكر المهموم) (النهاية في غريب الأثر)، بل هناك سواد ووسخ وقذارة، جاء في تهذيب اللغة (والنُّكْتةُ: شبه وقرة في العين، والنكتة أيضا: شبه وسخ في المرآة، ونكْتَةُ سوادٍ في شيء صافٍ) وأشد من ذلك الإلقاء على الرأس (ويقال أيضاً: طعنه فنَكَتَهُ، أي ألقاه على رأسه، فانْتَكَتَ هو)، (الصحاح في اللغة)..كل هذه المعاني والدلالات أو بعضها قد يكون موجوداً ونحن نتأمل أوضاعاً أكاديمية تعيشها كليات الطب تحديداً وجل الكليات العلمية عموماً، والفارق المهم هو أن هذه النكت - أياً كان المعنى الذي تريد- تحمل في ذاتها بدون أي بهارات خارجية عناصر التضخيم والمبالغة بل والمفاجأة التي تنتج حالة من النشوة مطلقة عالي الضحكات - ربما هستيرية - لفترة طويلة ثم ما تلبث إلا أن تنقلب إلى بكاء مرير، فيه أنين ونحيب!! تماماً كالمريض النفسي المصاب بحالة اضطراب المشاعر المتعدد الأقطاب، فلا يدري أيضحك أم يبكي؟ فتجد حاله موزعاً بين الضحك والبكاء والبكاء والضحك، أو بكاء مضحك وضحك كالبكاء!
قمة الفكاهة في أنظمة الترقيات الأكاديمية، إذ تلزم هذه الأنظمة حصول الأستاذ الجامعي على درجة علمية كاملة فقط إذا ظهر اسمه وحيداً على بحث علمي منشور ونصف أو ربع درجة إذا كان ثانياً أو ثالثاً في البحث المنشور، والغريب أن نفس الأنظمة تطبق على جميع الكليات - النظرية والعلمية- فما ينطبق على كلية التربية ينطبق على كلية الهندسة وكلية الطب، والتقدير موصول لجميع فروع المعرفة، وإنما الانتقاد على أنظمة قديمة جاوز عمرها عشرات السنين، وأظن أن أصولها مصرية (وبالمناسبة فإن عدداً من كليات الطب المصرية تجاوزت هذا النظام من سنين).
وهذه نكتة فيها لمحة ظرافة وفي نفس الوقت ثقل غباء وتناحة! أحد الزملاء من الجراحين المتميزين قام بعمل دراسة منهجية مقننة على مدى أكثر من سنة جمع فيها نتائج كل الدراسات العالمية التي عملت بمواصفات بحثية عالية، وهذا ما يسمى في العرف البحثي الطبي meta-analysis، ونشرت هذه الدراسة التي أسهمت في إضافة معرفة جديدة وتحسين العناية بالمرضى في مجلة عالمية راقية بعد تحكيم دقيق مضن، مجالسنا الأكاديمية الموقرة-في المقابل- تعتمد فقط نصف درجة لهذا الجهد البحثي الرائع، ودرجة كاملة لتقرير عن حالة case report يكتبه نفس الزميل في أقل من أسبوعين لا يتجاوز صفحتين وتنشر في مجلة خاملة الذكر لا يقرؤها إلا من يحررها! ماهو السبب؟ (يا دكتور هذه الحالة مؤلف واحد، وتلك الدراسة أكثر من مؤلف!! الله يهديك!!)، تماماً كمن يتغافل عن ثلاثة أو أربعة مصممي ومخترعي طائرة نفاثة عابرة للقارات تنقل عشرات المسافرين ويكرم مخترع طائرة شراعية ورقية يستخدمها الناس على شاطئ البحر في لهوهم وتنزههم، وما ذلك إلا لأن هذا مخترع واحد وأولئك عدة مخترعين! وتسأل هل هناك بحث علمي محترم ومؤثر يقوم بتأليفه شخص واحد فقط؟ ثم ماذا عن القيمة العلمية لما ينشر؟ لا شيء..!! نعم لاشيء..!! حتى لو اكتشف أحد الأطباء السعوديين مع فريق علمي جيناً جديداً وتنشر الدراسة في واحدة من أعرق المجلات العلمية العالمية، فإنه سيأخذ ربع درجة لأن اسمه جاء ثالثاً!
ولم أدر ماذا أفعل كلما تابعت مغامرات زميل آخر مع مركز بحوث موقر في جامعته!! أحياناً أضحك وأحياناً أبكي، حقيقة لا تدري ماذا تفعل؟ قدم المسكين طلباً مفصلاً للبدء في بحث كلينيكي يخص العناية بمرض معين، وقام بعمل كل ما طلب منه من تعبئة أوراق ومراجعة محكمين للبحث وقدم كل ذلك في ملف جميل ونظيف، انتظر الاجتماع الأول قالوا له في الثاني، انتظر الثاني قالوا له في الثالث، ولما لم يناقش ولم يعتمد بحثه في السابع، تشجع وحمل نفسه لمقابلة المسؤول، (نتأسف لقد ضاع الملف!!!)، شجاع وصبور صديقي هذا! قام بعمل ملف آخر وتعبئة الأوراق مرة أخرى، وانتظر الأول، قالوا له في الثاني، وبعد الخامس تشجع وحمل نفسه وثيابه وعقله لمقابلة المسؤول، (نتأسف مرة أخرى لقد ضاع الملف، وسنعاقب المسؤول!!) أنعم بطول السلامة، أيها المسؤول!
وهذه القادمة (قوية!)، جاء الرد حاداً كالصاعقة من مركز البحوث، ما هذا الهراء والتلاعب بالمركز؟ نحن لا ندعم البحوث بهذه الطريقة! لابد من تقديم أوراق مفصلة، أوراق كثيرة، لابد من تحكيم، نحن لا نستطيع أن نناقش هذا في اجتماعاتنا!! ما غاب عن مركز البحوث أن هذا البحث معتمد أساساً من قبله، وتم صرف الدعم الأولي له، وهذا وقت صرف الدعم الثاني، لكن سعادة المركز والقائمين عليه تائهون!!
(لا..لا..لا يجوز! لا يجوز أن تقدم طلباً لبحث جديد حتى تفرغ من الأول يا دكتور؟) (حسناً اصرفوا مستحقات الأول لأنهيه وأبدأ بالثاني!!)
والأشد سواداً من النكت هو ألا تعتمد أبحاث التعليم الطبي عند الترقية الأكاديمية في عدد من كليات الطب بحجة أن هذا بعيد عن تخصص الطبيب الاستشاري عضو هيئة التدريس، عجباً وكيف يكون الطبيب طبيباً متمكناً مما يعمل إن لم تعلمه تعليماً صحيحاً حديثاً، وتجهزه وتدربه ليصبح مقتدراً كفؤاً لما سيعرض له من حالات؟ كما أنه لا يوجد أي بند يعطي قدراً من التميز والتقدير للجهد العلمي التعليمي لأعضاء هيئة التدريس في كليات الطب، فأكثر الأعضاء خمولاً ونوماً يستطيعون أن ينالوا الترقية الأكاديمية بكل سهولة، بل أحياناً أسرع من ذلك الذي يكتب منهجاً أو يضع اختباراً جديداً أو يدخل أساليب وبرامج تعليمية جديدة لطلابه طلاب الطب، وذلك بكل بساطة لأن هذه الأمور لا وزن لها عند المجالس الموقرة!
وبعد فإن النكت لا تنتهي وهذه مقدمة كتاب تطول فصوله وتتعدد ولا أرى له خاتمة!! والأمل كبير في ألا يزعج سخف هذه النكت جحافل الأطباء والعلماء أبناء الوطن في أن تستمر مقاومتهم الفكرية والأدبية للدغدغة الباردة لهذه النكت الفجَة.
جريدة الوطن السعودية -الثلاثاء 5 رجب 1429هـ الموافق 8 يوليو 2008م العدد (2839) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 4 »
5 يونيو 2008
نحن أبناء ثقافة ترى النقد مهما كان أسلوبه منقصة ومذمة، ومن أتى به يوصف بالتجاوز والتعدي على الآخرين! والنقد عندنا لا يأتي إلا من طرف واحد وباتجاه واحد! وفي العملية التعليمية هو حق مشروع للأستاذ وللطبيب الاستشاري وللمشرف على البرنامج وقلة تربية وسوء تصرف وجحود للنعمة لطالب الطب وللطبيب المقيم المتدرب!
والحق أن هذه ظاهرة لمشكلة عويصة عميقة تتعلق بتركيبتنا النفسية وما تراكم وأثر في تشكيل شخصياتنا الاجتماعية. وأذكر أن مظاهر الاضطراب والتناقض في أفكارنا وتعاملاتنا واضحة للعيان، كمثال بسيط جدا شباب في سيارتهم قريباً من البحر يستمتعون بتناول شطائر مع العصير، ينتهون من وجبتهم..يضعون المخلفات في كيس ثم يلقونه من نافذة السيارة وصندوق المهملات لا يبعد إلا متراً واحداً أو مترين عن سيارتهم. أو السائق الآخر الذي لا يحترم أحداً ولا يبالي بحياة الناس ولا بحقهم في الطريق فتراه يعود بمؤخرة سيارته عاكساً السير في شارع رئيسي مزدحم لا لشيء إلا لأنه تجاوز صاحب بسطة الحبحب! أو الذي يغلق منفذ الخروج لسيارة ما بسيارته بحجة إدراك الصلاة التي ينهيها ويتسنن بعدها بما شاء أن يتسنن ثم يخرج بعد ذلك ليزيح سيارته باعتذار سخيف بارد، كل ذلك وغيره أكثر(كإشكالية النظرة الموغلة في الجنس لكل ما يتعلق بالمرأة) يدل على ضرورة خلخلة منظومة القيم الاجتماعية التي نحشو بها عقول طلابنا في مدارسنا وجامعاتنا وبيوتنا وإعلامنا، فالإنسان عندنا لا يزال ينقصه كثير من أخلاقيات المدنية المعاصرة، همجية في التصرفات، رعونة وبدائية في القرارات،وسطحية الاهتمامات، وأتمنى أن ييسر الله لهذه الأمة رجلاً كالحارث المحاسبي صاحب الرعاية لحقوق الله أو كمن أتى من بعده ممن تأثر كثيراً بمنهجه كالإمام الغزالي صاحب الإحياء لكي يكتب ويستنبط ويشرح بأسلوب حديث يناسب العصر وثقافته ومعطياته وينفتح على التطورات الحاصلة في المجتمعات مستخدماً منهجية علمية إنسانية لا تهمل ولا تلغي الجهود العلمية العالمية في هذا المجال ليعلمنا كيف نعيش وكيف يجب أن تكون الشخصية المدنية الحضارية للمسلم المعاصر في نظرته لنفسه وللآخرين.
إن هناك قيماً وسلوكيات لا نعتبر لها وجوداً على الإطلاق لأننا لم نفكر فيها ولم نترب عليها، أين مثلاً الحرص على المال العام ومراعاة الآداب العامة في الأسواق والمطارات والمرافق المختلفة؟ أليست سلوكياتنا همجية بدائية؟! أين مثلاً قيم الشرطة المجتمعية؟ أين التفكير العلمي والبعد عن الخرافات والأساطير والسحرة والمشعوذين؟ أين إعلاء قيم العمل وبذل الجهد؟ أين احترام وإعلاء إنسانية الإنسان في أدب التعامل وحسن اختيار الألفاظ واللياقة في الحديث ومراعاة مشاعر الآخرين والثناء عليهم؟ سؤال: ما موقع العصبية القبلية في حياتنا اليومية؟ ومن ذلك أيضاً موضوع النقد وعدم الضيق بالرأي الآخر.
أسوق هذا الكلام بعد أن وصلتني عدة ردود أفعال بعد نشر مقال (أما الأطباء المقيمون فلا بواكي لهم) فبخلاف الأطباء المقيمين الذين وجدوا بعض المتنفس فيما كتبت، بل إن بعضهم ذكر لي أن ما كتبته ليس كل شيء وأن هناك ما هو أسوأ، قلت له ولم لا تكتب، قال: لن يسمع أحد ولن يتغير شيء! ثم إني لم أتجاوز اختبار الزمالة بعد وأخشى من… ولم يكمل حديثه ثم أردف قائلاً: ألا تفهمني؟! بخلاف هؤلاء الأطباء (الغلابة) هناك عدد من الزملاء من الأطباء الاستشاريين الذين أنكروا عليَّ الكتابة بهذه الحدة وبهذا الأسلوب، حجتهم أن مثل هذا الأمور لا تحل على صفحات الصحف… وفي كلا الموقفين دليل على ضرورة خلخلة منظومة القيم التي ذكرتها أعلاه! فذلك الطبيب المقيم يتنازل بكل بساطة عن حق من حقوقه في الحديث وإبداء الرأي الحر المتزن البعيد عن الكذب والمبالغة متذرعاً بالخوف ومتسلحاً بشعار اليأس، أليس هذا مسخاً لشخصياتنا الاجتماعية؟ والزملاء الآخرون لا يرون في مثل هذا النقد إلا رغبة الإثارة متناسين الإعلام ودوره في خدمة وتوجيه المجتمع، وأن الموضوع برمته لا يجب أن يكون من اهتمامات القارئ العادي، عجباً..! وبم يجب أن يهتم القارئ العادي إن لم يهتم بأمر أطباء سعوديين (وليس كما فهم بعض القراء الكرام من أني أتحدث عن أطباء غير سعوديين مزورين لشهاداتهم!) عليهم رعايته والاهتمام بصحته وصحة أبنائه ووالديه!! أليست هذه قضية رأي عام!! وإذا كان كل خبير وعارف - مثلي ومثلهم - لا يتكلم ولا يبدي الرأي فيما فيه خير وصحة الوطن والمواطنين ألا يعد هذا من باب السلبية والخمول الاجتماعي بل والتضليل؟ ألا نحتاج إذاً إلى أن نعلي في تربيتنا ومفاهيمنا الشعور بالمسؤولية والدور الفاعل والإيجابي لكل فرد نحو نفسه ومجتمعه والآخرين؟
ثم إن ما نتحدث عنه وننتقده ليس مما يصعب إصلاحه ويستحيل تعديله، بل إن الغريب أن يستمر الحال على ما هو عليه الآن! إن عدد الأطباء السعوديين الاستشاريين الخبراء المتمكنين يتجاوز العشرات وفي جميع التخصصات أفلا نستطيع أن ننسق وننظم الجهود لنرتقي بمستوى تدريب وتأهيل أطبائنا وطبيباتنا السعوديين؟ أفلا تستطيع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية الاستعانة بهؤلاء وبإشراف خبراء التعليم الطبي السعوديين - وما أكثرهم - في تحديد كفايات التدريب ومخرجات التعلم الواجب توافرها في كل طبيب في أي تخصص يلتحق به؟ ومن ثم تصميم آلية فاعلة لقياس جودة أداء برامج التدريب المختلفة للتأكد من تحقق وجود هذه الكفايات بعد كل دورة تدريبية يخوضها المتدرب، لا أن ننسى الطبيب المتدرب طوال سني تدربه ولا نتذكره إلا وقت اختبار الزمالة العقيم وغير الدقيق لنقول له أنت راسب (أو راسبة) ونستغرب حينئذ لماذا لا تتجاوز نسب النجاح عندنا في اختبارات الزمالة 30% ؟
جريدة الوطن السعودية - الخميس 1 جمادى الآخرة 1429هـ الموافق 5 يونيو 2008م العدد (2806) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 3 »
6 مايو 2008
الطبيب المقيم هو كل طبيب أنهى دراسته الطويلة في كلية الطب وأنهى التدرب في سنة الامتياز ثم انخرط في أحد البرامج التدريبية المتخصصة في الطب الباطني أو الجراحة العامة أو أمراض الأطفال أو أمراض النساء والولادة أو طب الأسنان وخلافه من علوم الطب المختلفة، على أن تكون سنوات التدريب (من أربع إلى خمس سنوات) تحت إشراف كلية عليا ككلية الأطباء والجراحين الملكية في كندا ومثلها في بريطانيا أو كهيئة عليا للتخصصات الصحية كما هو الحال في بلادنا.
هذه الفئة من الأطباء في بلادنا هم من طبقة الكادحين المستضعفين في الأرض الذين لا يملكون حولاً ولا قوة إزاء هزال وضعف البرامج التدريبية التي ينخرطون فيها. فلا تجد إلا الاستسلام الكامل من طرفهم وفقدان الأمل في أي تحسين أو تطوير في المستوى الأكاديمي لهذه البرامج!! ولا أدري هل يلاحظ القائمون على هذه البرامج أنه لا تكاد تلوح فرصة ابتعاث خارجي إلا وتهافت أطباؤنا المقيمون لنيل هذه البادرة والتخلص من تخلف وعقم الأنظمة التدريبية المحلية!
قد يصفني البعض بالتحامل والمبالغة فيما ذكرت…حسناً…ما رأيكم في أن نسبة النجاح في اختبار الزمالة السعودية السنوي للطب الباطني لا تتجاوز 20- 30% في السنوات الخمس الأخيرة!! أي أن من كل عشرة أطباء (أو طلبة!!!..كما يسميهم بعض منسوبي الهيئة) لا ينجح إلا طبيبان أو ثلاثة فقط!! وهذه نسبة مخيفة مفجعة! أعلم مركزاً تدريبياً رئيسياً في إحدى المدن دخل اختبار الزمالة السعودية ستة من متدربيه لم ينجح منهم إلا طبيب واحد!! ولا أحد يمكن أن يتخيل مدى الضغط النفسي والمعاناة التي يمر بها الأطباء أثناء التحضير لهذه الاختبارات، ومهما كتبت فلا أستطيع أن أصف مرارة أن يعلم الطبيب (أو الطبيبة) أنه لم يُوفق في اختبار الزمالة، هذه المرارة التي تظل لوعتها وحرقتها في فم هذا الطبيب ما حيي!!
إن مركزاً لا ينجح من أطبائه إلا طبيب واحد من ستة أطباء حري بأن يتم سحب الاعتراف به وإقالة مشرفه! إن برنامجاً لا ينجح فيه إلا 30% من الأطباء المتقدمين حري بأن يُغربَل رأساً على عقب وأن يُوقف من قبل الهيئة الطبية العليا لمعرفة أسباب هذا الفشل الذريع ولإعادة هيكلته من جديد لِكَفِّ الألم الذي يزرعه في نفوس أطبائنا وطبيباتنا من الكادحين المقهورين المغلوبين على أمرهم!!
أسمع نقداً كثيراً طويلاً - وأعلم أني لست الأول ولا الوحيد الذي يرى ما لا يراه الآخرون في هذه البرامج- عن ضعف شديد في الشخصية العلمية لهؤلاء الأطباء المقيمين، وضعف قدرتهم في اتخاذ القرارات الطبية السليمة، وضعف الثقة في النفس، وضعف القدرة على الحديث بأسلوب علمي رصين، أضف إلى ذلك ضعفا شديدا في المهارات السريرية ويكاد يكون أضعف من مستوى الأطباء حديثي التخرج. وإني أتفق مع كل هذا!! وأذكر أن عدة دراسات - بعضها نشر في مجلة الجمعية الأمريكية الطبية- أكدت ضعف مهارات الأطباء المقيمين (في البرامج الأمريكية تحديداً) في معرفة التغييرات المرضية الحادثة عند فحص القلب والرئتين بالسماعة الطبية مقارنة باستشاريي أمراض القلب، والأمر المخيف هو أن قدرات الأطباء المهارية على استخدام السماعة لا تتحسن مع تقادم سنوات التدريب، وأن طلبة الطب سجلوا نسباً أفضل من الأطباء المقيمين!!
ورغم أن كل هذا النقد صحيح في أغلبه إلا أنه يساق بأسلوب و طريقة تبرئ الأطباء المشرفين على البرامج التدريبية، وتبرئ المناهج والكفايات العلمية والمهارية والأخلاقية الواجب توافرها في هؤلاء الأطباء، وتبرئ أساليب التدريب والتعليم التي ينخرط فيها هؤلاء الأطباء، وتبرئ أساليب التقييم التي يتم بها تحديد مصير هؤلاء الأطباء، بل وتبرئ الأجواء والبيئة التعليمية والإدارية التي يتدرب ويعامل بها هؤلاء الأطباء!!(ولا تسل عن التعليم الطبي لمرحلة ما قبل التخرج ومشاكله) وتجد أن أسهل شيء لأي مسؤول هو إلقاء اللائمة بالكامل على عاتق الأطباء المقيمين، بل ويتجاوب مع هؤلاء بعض القائمين على أمر التعليم الطبي ويبدؤون بعقد دورات لهؤلاء الأطباء (الغلابة) في مهارات الاتصال ظناً منهم أن في ذلك حلا للمشكلة المستعصية لهؤلاء الأطباء الذين يقدمون اختبار الزمالة السعودية للمرة الثانية والثالثة بل والخامسة عند البعض دون أن يحالفهم النجاح!!! إنهم يرون القذعة بل والشعرة في أعين هؤلاء الأطباء المقيمين ولا يرون الساطور الذي فصل أجسام البرامج التدريبية الواهية إلى قسمين بل وفصل الرأس عن الجسد!!
أبدأ من أساليب التقييم التي عفا عليها الزمن وأشرت إليها بشيء من التفصيل في مقال سابق ( “الوطن”، العدد 2555 )، فالاعتماد على أسلوب الحالة الطويلة كما هو المتبع في اختبارات الزمالة السعودية أصبح من ذكريات التعليم الطبي المؤلمة التي تخلصت منها جل الكليات الملكية والهيئات الطبية العالمية التي تعقد مثل هذه الاختبارات لترخيص عمل هؤلاء الأطباء، فهذه الطريقة تفتقد المصداقية ولا دقة فيها، فلا تتوقع والحالة هذه من الأطباء المقيمين غير التيه والضياع وهم يحضرون لاختبارات مبهمة كهذه!!
وذكرت كلمة المنهج أعلاه والكفايات العلمية والمهارية والأخلاقية الواجب توافرها في هؤلاء الأطباء، وأقول إنه لا يوجد منهج (ولا يحزنون)!! فلا أحد يعرف متطلبات وكفايات السنة الأولى والثانية وعند التخرج، لا الأطباء أنفسهم ولا المشرفون على تدريبهم من الاستشاريين، وتبعاً لذلك يمضي الأطباء المقيمون سني تدربهم من مكان لآخر ومن دورة في تخصص ما إلى دورة أخرى في تخصص آخر دون أن يتم التأكد أنهم تمرسوا في هذه الكفايات وتمكنوا منها، فلا معنى إذن لمن ينهي دورة لمدة شهر أو شهرين في أمراض المفاصل وبنهاية فترة تدربه لا يجيد فحص المفاصل ولا يجيد التعامل مع نتائج التحاليل الخاصة بهذه الأمراض!! أو الآخر الذي ينهي العمل في دورة الأمراض العصبية وهو لا يجيد فحص الجهاز العصبي!! إذ لا توجد آلية للتحقق من هذا الشيء، لأن هذا الشيء أصلاً غير موجود وغير مكتوب، والحاصل هو خبط عشواء!!
أما أساليب التدريب والتعليم فهي الأسوأ!! إنها لا تربي شخصية الطبيب العلمية الرصينة الواثقة بما تقول وتعمل، ولكنها تربي السطحية في التفكير والتبعية في اتخاذ القرارات، ولا يوجد أي نظام متابعة أو تقويم دوري لأداء عمل الأطباء، ولعلي أفصل القول فيها في مقال مستقل، وأسوأ منها أن جل المشرفين على برامج التعليم هذه ومن في حكمهم من الاستشاريين المسؤولين عن تدريب هؤلاء الأطباء لا ناقة لهم ولا جمل في التعليم الطبي وآلياته وأساليبه!! وما يجيده أغلبهم حقيقة هو أساليب التحقير والتهزيء والحط من شأن هؤلاء الأطباء بل والشتم أحياناً!!!
ألم تصدقوا بعد أن هؤلاء الأطباء المقيمين لا بواكي لهم!! من يعبأ بأمرهم؟ من يهتم بأمر تدربهم وتعلمهم وتقييمهم؟ بل من يلتفت إليهم وإلى معاناتهم؟ أخشى أنه حتى هذه الكلمات لا بواكي لها!! ستتزين بها صفحة هذه الصحيفة ثم تدفن في غياهب النسيان لتنبت عليها زهور اليأس.
جريدة الوطن السعودية - الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1429هـ الموافق 6 مايو 2008م العدد (2776) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 3 »
8 أبريل 2008
بين الصورة والحقيقة تذكرت وأنا أجلس في أحد المؤتمرات الطبية المحلية منزل صديق لي، تدخله فلا تحس إلا أنك في أدغال أفريقيا! جلد نمر فاغر فاه ملقى على الأرض، رأس أسد محنط على الجدار، ثلاث زرافات مختلفات الأحجام يقفن في أحد الأركان، رسم حائطي رائع لمجموعة شاردة من الخيول، وسادات عليها طيور وغزلان وفيلة محشوة بريش النعام، وغير ذلك مما تعدد وصغر حجمه وانتشر في المنزل. لم أبد أي انزعاج من وضعية منزل صديقي هذا، فما هي إلا لحظات تأسرك فيها هذه المشاهد ثم ما نلبث أن تتشابك كلماتنا في أحاديث متعددة طويلة وقصيرة طبية وغير طبية، هو يعلم وأنا أعلم وكل من في المجلس يعلم أن هذه صور تحتار في وصف جمالها ولكن لا حياة فيها! النمر هو النمر والأسد هو الأسد ولكن شتان مابين الاثنين، الأول صورة ميتة هامدة جامدة لا تخيف ولا ترعب، أما الثانية فهي الحقيقة! حيث الحياة والحركة والنشاط والرعب والخوف! ألا شتان مابين الصورة والحقيقة! ألا شتان مابين الحياة والموت!
كثيرة هي المواقف في حياتنا والتي نتمسك فيها بالصورة وندافع عنها ونحارب من أجلها قناعة منا أنها هي الحقيقة وشتان مابين الصورة والحقيقة، كمثل صاحبي إن أراد أن يقنعني أن رأس الأسد المحنط يزأر ثلاث مرات في اليوم! وليجل كل منا بفكره قليلاً لير مقدار الصور التي تعيش بيننا ومعنا!
كل هذا وأنا مازلت أجلس أستمع لمحاضرة طبية في مؤتمر في صالة فندق من درجة خمس نجوم وأكثر، محاضرة خلف محاضرة خلف محاضرة مسبوقة بمحاضرة أخرى! ثم غذاء ثقيل فيه ما لذ وطاب من خيرات البر والبحر والشرق والغرب بل وحتى الشمال والجنوب، وتأتيك من بعدُ محاضرة بعدها محاضرة بعدها محاضرة مسبوقة بمحاضرة، ويا للذة التمايل والترنح طرباً على نغمات أصوات المحاضرين التي تذهب بأخيلة الحضور مع ثقل الغذاء ونوعية الحديث الذي دار على مائدة الطعام إلى عوالم فسيحة جميلة من الهدوء والمرح والنوم السعيد والتي لا يكدرها شيء إلا تصفيق الحاضرين لينتهي محاضر ويعتلي آخر بصوت مختلف إلى أن يقال إن محاضرات اليوم انتهت! ثم بعد كل هذا يقال إننا عقدنا مؤتمراً!!
لا أدري لماذا يتجاهل الأطباء ومن هم قائمون على أمر هذه المؤتمرات الاستعراضية أن الدليل العلمي المبني على دراسة وتقص وبحث أثبت أن الأطباء لا يغيرون من ممارساتهم الطبية ولا يتم تعديلها- إن كانت خاطئة- بمجرد حضور محاضرة! لا يمكن أن يتعلم المرء أمراً نافعاً مؤثراً في سلوكياته وممارساته ما لم يكن مشاركاً في العملية التعليمية، ويجب أن يكون - قبل كل شيء- وخصوصاً ممن يجلس للإعداد لأمر أي عملية تعليمية أن يحدد الهدف منها، فبنهاية حلقة العمل أو المؤتمر (أو حتى المحاضرة) ما الذي يجب على الحاضرين أن يتقنوه من مهارات ومعلومات؟ لا أن يكون المحاضر كحاطب ليل! فالذي يحدث في مؤتمراتنا أن يعمد جل المحاضرين إلى أقرب فصل في كتاب أو مقال علمي يلخص نتاج البحوث الصادرة حول مرض ما ثم يلخصه بحذافيره ويقدمه في المؤتمر، لا أن يتتبع بنفسه-كسلاً منه وبلادة- آخر البحوث المنشورة وينقدها نقداً علمياً في محاضرته، وغالباً ما يحاضر هذا لنفسه ولا يعلم أين وصل النعاس بالحاضرين، وآخرون لا يحاضرون إلا للتشدق والتفيهق في عظم خبراتهم وذكائهم الذي لا يوجد له مثيل( إلا في بلادنا بلا شك).
ولاحظت على قلة المؤتمرات التي شاركت فيها أن عدد المحاضرين يكون أحياناً أكثر من عدد المشاركين في المؤتمر!! وهذه ليست طرفة بل حقيقة! وبخلاف الاستعراض الذي يحدث من قبل بعض المشاركين والمشاركات في المؤتمرات، فإنك تجدها - وتحديداً وقت المحاضرات المملة الباردة - مكاناً ملائماً للتواصل الاجتماعي مع الأصدقاء بالطرف والملح والغرائب والحديث عن فلان وعلان، جو علمي سليم مئة في المئة!! وإذا سألت لماذا كلف هؤلاء أنفسهم عناء الحضور؟ الإجابة المباشرة وبدون أي تردد لأخذ شهادة الحضور وحسب!! قمت بإعداد حلقة عمل تهدف إلى إكساب الأطباء المشاركين مهارة الكشف المبكر عن التهابات المفاصل مبنية على تفاعل الحاضرين مع بعضهم البعض، ولم أستطع أن أعقد هذه الحلقة إلى الآن إذ تم إلغاؤها في مؤتمرين متتاليين أحدهما كان خصيصاً عن أمراض الروماتيزم!! والسبب أنه لم يسجل أحد في هذه الحلقة، وفي الآخر سجلوا ولم يحضروا!! ولا ألقي باللائمة إطلاقاً على الحضور وعزوفهم عن العلم والتعلم، بل هو يأسهم من فاعلية هذه المؤتمرات. أضف إلى أن روح الشغف بالعلم والمعرفة قد قُِتلت مع سبق الإصرار والترصد بأنظمتنا التعليمية ولا فخر!!
أمر آخر هو أن المؤتمرات في العالم المتيقظ تعقد حتى يقدم الباحثون نتاج بحوثهم أمام زملاء لهم لتبادل الخبرات وتعديل مسار البحوث القادمة، أما عندنا فأين البحوث التي تقدم؟ ولا يسأل الأطباء عن هذا بل الأنظمة الأكاديمية العقيمة والبدائية في تعاملها مع أمر البحوث ودعمها.
إذا فالمحصلة النهائية أن مؤتمراتنا هي استعراض! استهلاك إعلامي، إعلانات، لقاءات صحفية وتلفزيونية، تنافس وجعجعة وقرقعة بين قطاع وقطاع (أيهما أكبر مؤتمرنا أم مؤتمرهم؟ مَن مِن المحاضرين العالميين حضر عندنا ومن حضر عندهم؟أيهما أحسن غذاؤنا أم غذاؤهم؟)، وكل هذا صورة لأنك حين تسأل هل تعلم أحد؟ تأتيك الإجابة لا لم يتعلم أحد! وكيف يتعلم إنسان من صورة كتاب وهو لا يحمل الكتاب بين يديه؟ إذا نطق رأس الأسد المحنط وزأر فإن مؤتمراتنا حينئذ تكون قد أثرت وأفادت!! إن مؤتمراتنا أيها السادة صورة!! ألا شتان ما بين الصورة والحقيقة!!
جريدة الوطن السعودية - الثلاثاء 2 ربيع الآخر 1429هـ الموافق 8 أبريل 2008م العدد (2748) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
6 مارس 2008
هناك قصص وأحداث وحكم وأمثال وكتب انغرست ذاكرتها في أذهاننا وأسهمت في تشكيل سلوكياتنا ومواقنا من أنفسنا والآخرين وغاصت وغرقت في أعماقنا ولكنها تعود للصعود والنزول بين الفينة والأخرى شأنها شأن تيارات الحياة وتقلبات الأزمان إما أمواجاً هوجاء صاخبة عاتية أو أخرى هادئة رقيقة تنساب وتنبسط ضاحكة على شواطئ تصافحها وتهنئها بسلامة الوصول.
لا أنسى ما قرأته يوما في أحد كتب الشيخ العالم الجليل محمد الغزالي رحمه الله وهو كعادته يربي على المعاني الرفيعة والقيم السامقة منتهجاً نهجاً قرآنياً واضح المعالم محذراً من الذين يخوضون في الدين بدون ذكاء عقل وسلامة ذوق، ذكر الشيخ حديث أحد العلماء لابنه ودعوته إياه لتأمل الجهد المضني والتعب الذي تبذله اليرقة الصغيرة في سبيل خروجها من شرنقتها لتتحرر وتصبح فراشة جميلة تطير بحرية في كل مكان، وبعد أن تأمل اقترح عليه أن يقوم بعمل يخفف معاناة الفراشة، فما كان من الابن إلا أن أخذ مقصاًً وأعمله في الشرنقة، فتحررت الفراشة سريعاً لكنها خرجت ناقصة النمو، لم تتمكن من تحريك أجنحتها بشكل جيد، فما لبثت إلا أن سقطت وعجزت عن الطيران مرة أخرى. وبعد تأمل أيضاً قال العالم: يا بني إن جهد اليرقة وسعيها للخروج ينضجها ويخرج السم من جسدها. وإذا لم تجهد فشلت في الطيران. صمت قليلاً ثم أردف: إن الإنسان الذي لا يجهد في سبيل ما يريد، ويأخذ كل ما يصبو إليه بدون أي سعي دؤوب منه يموت فيه شيء جليل الخطر!
إنه إعلاء لأمر العمل الدؤوب المخلص في شتى مجالات الحياة ليتحقق في الإنسان معنى الإنسان الباذل المعطاء الخيِر، ولتُبنى الحياة وتعمر الأرض، ولكم أن تتأملوا عدد المرات التي ذُكر فيها العمل الصالح في القرآن الكريم، ومفهوم هذا العمل الذي يشمل كل مجالات الحياة ودقائقها، المعلم وجهده في التعليم والتطوير والبناء، الطبيب وسعيه في العلم والتعلم والبحث والمداواة، المهندس، الإداري، التاجر، وحتى الرسام والفنان. إن هذا المفهوم للعمل الصالح المهم والخطير يُغَيب عند البعض لينحصر ظلماً فقط في الصلاة والصوم والصدقة. إن الحياة كلها نهر متدفق من العطاء والعمل الصالح الذي لا ينتهي ولا ينضب ولا تنضب روافده ولكن همم الناس هي التي تتعب وتسأم وتتحجر فلا تنظر إلا إلى قطرات وتنسى الهدير!
تأملوا حض القرآن على تعميق معاني التأمل المتأني الدقيق الرقيق “انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه” النظر لتمتلئ العين ومن خلفها النفس بحب الجمال والأنس برونق اللون وبهاء الصنع ودقة التركيب وتعدد الأشكال والأنواع، وإلى الذين يهندسون الحدائق “جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً” ثم يقول: “وفجرنا خلالهما نهراً”. إن نفساً تتربى على الجمال وعشقه لا تصدر من الأقوال إلا الجميل البناء ولا من الأفعال إلا الكامل المتقن، تمضي سراعاً في ميدان الحياة تنثر النور في كل مكان، وتدمن الإنتاج والإبداع، حتى ولو قامت الساعة فهي لا تتوقف حتى تنهي عملها على أتم وأكمل وأجمل صورة! ولا عجب إذاً أن تصل التربية القرآنية الحقة بالأفراد والمجتمعات إلى قمة العلم والحضارة، “قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها” اختلط عليها الأمر لدقة الصنع وروعة وجمال التركيب فحسبت أنها تخوض في الماء “قال إنه صرح ممرد من قوارير” زجاج شفاف دقيق، وكان قد قرر قبل “وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين”.
ولا أنسى أيضاً تعقيباً للشيخ الغزالي رحمه الله بعد أن أورد خبر البغيِ التي شكر الله لها صنيعها أن سقت كلباً يلهث فغفر لها! فإذا كانت الرحمة بالبهائم تغفر ذنوب البغايا، فإن الرحمة بالبشر تفعل العجائب! ووقفت كثيراً عند مقولة لابن عباس - رضي الله عنهما - فيها كثير من التأصيل والتطبيق للبعد الإنساني المتجذر في التربية البنوية الكريمة، حين يذكر أنه يفهم تأويل آية في كتاب الله فيتمنى أن الناس كلهم يفهمون هذا الفهم! هذه نفس لا تهيم بالعلم وتعشقه عشقاً وحسب بل تأصل حب الخير فيها وتدفق كالسيل يريد أن يصل إلى كل مكان! ألم يقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مرت به جنازة، فقيل له إنها ليهودي، فقال المصطفى: أليست نفسا؟ أدب واحترام وتقدير لإنسانية الإنسان مهما كانت ملته واعتقاده، ولعمري ما أَدرى هذا الميت باحترام وتقدير الأحياء له، فليقف من يقف وليجلس من يجلس! ولكن هناك معنى آخر أعمق وأجل وأسمى، فبخلاف مراقبة الله، هناك تحقيق وتثبيت لمعنى الإنسان في النفس حتى لا يموت ذلك الشيء الذي إن ذهب ختم على تلك النفس بالجلافة والغلظة وسوء الأدب! وإنه لدرس للناس - عامة - كلهم في الرقي في التعامل، وللأطباء خاصة في التعامل مع المريض كإنسان - مهما اختلف لونه وشكله، ألحظ بعض الزملاء يشمئز من مريض لا لشيء إلا لأنه من جنسية معينة أو يهين آخر لأنه لم يفهم لغته وحديثه، أو يحقر من شأن آخر ابتلي بأحد المنكرات فأثرت على صحته، وما يدريه؟ فلعل هذا الذي يحقر أقرب عند الله وأعلى مقاماً منه.
إن تعميق وتجذير قواعد الإنسانية في الأنفس والمجتمعات نهج دائم مطرد في أصول ثقافتنا ومعالم حضارتنا، ولا أدري كيف وصلنا إلى هذا الدرك من الانحطاط في إنسانية الإنسان! إن علينا أن نخلخل كثيراً مما نظنه ثابتاً متأصلاً في تربيتنا وأفهامنا لنرتقي درجات في سلم الإنساني
جريدة الوطن السعودية - الخميس 28 صفر 1429هـ الموافق 6 مارس 2008م العدد (2715) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
22 ديسمبر 2007
يتعرض الأطباء كغيرهم من جموع الناس إلى جملة من الأعراض والأمراض بعضها خاص بهم وأكثرها معروف منتشر بينهم وبين غيرهم. وكما يقول الرافعي فإن الهم أثقل ما حملت النفس ولا ريب، وإنه من هذا الهم تغوص نفوس كثير من الأطباء وتحديداً حديثي التخرج منهم ممن حمل درجة الزمالة الطبية في التخصص العام والدقيق (بتوع كندا وغيرها) في بحور من قلة النفع والكآبة وضعف الحيلة!!
يعلم الجميع أن الابتعاث للخارج والعمل لنيل التخصصات الطبية الدقيقة ليس نزهة خالصة كما يظن كثير ممن يتعامل مع هؤلاء الأطباء!! إنه عمل دؤوب وتعب وسهر لم يدفع قيمته الطبيب وحسب بل أهله وأطفاله أيضاً!! وينتج عن هذا أن كثيراً من هؤلاء الأطباء يبدع في عمله أو يتبع تخصصه بدراسة أخرى متميزة أو يظهر كفاءة عالية في مجال تخصصه الدقيق مما يؤكد علو كعبهم وجدهم في التحصيل!! وأعلم ويعلم غيري كثرة ما يعرض على هؤلاء الأطباء السعوديين من عروض عمل دائم في أماكن ابتعاثهم الخارجي رغبة في الاستفادة من تميزهم وألمعيتهم!!
هناك استثناءات كما أن هناك لكل قاعدة شواذ! نعم هناك من هؤلاء الأطباء من ينطلق كالأهوج لا يلوي على شيء لا هم له إلا جمع المال بأي طريقة كانت ولو على حساب مثله ومبادئه، كما أن هناك آخرين يبلغ الغرور بهم حداً يتيهون به على أقرانهم قبل مرضاهم ومن حولهم من الناس، هؤلاء لا يرون الآخرين إلا كالذريبطرون الحق ويغمطون الناس (كتبت عن هؤلاء في مقال (الأول على كندا) المنشور في الوطن عدد 2220) أنا لا أتحدث عن هؤلاء، لأنهم قلة وإن كان البعض يظن أنهم كثير فإني أطمئنهم بأن هذه الفئة قليلة بكره الناس لهم ونفورهم منهم سواء أكان عاجلاً أم آجلاً بل قليلة بضآلتهم أمام أنفسهم وبتكالب وتنازع الهموم عليهم.
أتحدث هنا عن طبقة أخرى من هؤلاء الأطباء (الغلابة) الذين يعودون إلى ديارهم بعد سنين من العمل والكد والتعب وهم مفعمون بالحماس والأمل وهم ممتلئون علماً وحكمة وهم مستعدون لخدمة أهليهم ووطنهم ثم يصدمون بعقبات كأداء تفت في همتهم وتحيل صبحهم إلى ليالٍ سوداء طويلة كئيبة باردة!!
أحد الزملاء عاد بعد سني الابتعاث بتخصص عام وتخصص دقيق مهم وقليل من يحمله من الأطباء السعوديين ليجد مديره عوضاً عن أن يستقبل هذه الطاقة وهذا العلم بالود والترحاب بتسخير كل ما يحتاجه هذا الطبيب ليبدأ في خدمة الناس إذا به - وأشك أن لهذا المدير أية خلفية طبية - يعينه في تخصص آخر بعيد عن تخصصه، ويجلس هذا الزميل (الغلبان) سنة وتزيد ليقنع من حوله بضرورة أن يعمل في تخصصه، وليقنع من لا يفهم من أمور الطب شيئاً أن تبدأ عيادات هذا التخصص!!
أما الطبيب الجامعي الآخر والذي بدأ عمله في تخصصه الدقيق في إحدى مستشفيات الصحة على أكمل وأروع ما يكون، لا هم له غير مرضاه ومتابعتهم في العيادات والمستشفى أو السعي لتوفير الدواء الفلاني الذي انتهى من مخازن المستشفى (ولا تسل عن آلية وكيفية التخزين) ومخاطبة المسؤولين عنه أو طلب الترخيص لدواء جديد نافع أو كتابة تقارير علمية تنشر في مجلات عالمية باسم المستشفى أو الإعداد لبحث تؤدي نتيجته إلى تحسين العناية بالمرضى وإذا انتهت همومه هذه التفت إلى طلابه تعليماً وتدريساً وما يلحق ذلك من إعادة صياغة للمناهج على الطرق الحديثة أو تصميم طرق تقييم عادلة ومنصفة إلى غيره مما يندرج تحت أنشطة التدريب والتعليم.. كل هذا لم يشفع لهذا الطبيب عند مسؤول في المستشفى أرعن متعجرف استمع إلى وشاية مغرضة من أحد الأطباء الذين امتلأت نفوسهم غلاً وغباءاً بخصوص أمر هو أقرب إلى حديث كبار السن منه إلى حديث مسؤولين وإداريين، بل إن حديث كبار السن فيه كثير من الحكمة والرأي السديد! فما كان من هذا المسؤول إلا أن شن حرباً (حوارجية) على هذا الطبيب، تقفيل عياداته، مصادرة مكتبه، عدم إعادة تسجيل مواعيد لمرضاه (الغريب أنه لا ذنب للمرضى أبداً!!)، وانتهى الموضوع بتطفيش الطبيب نهائياً من هذا المستشفى، ولا تسل أين وصلت الترقيات بهذا المسؤول!!
ولم أستغرب مما يقدم عليه مجموعة من الزملاء الأكفاء المهرة في عدد من المستشفيات الكبيرة، ممن شهد بإبداعهم العلمي والعملي في الخارج والداخل، من رفع قضايا قانونية على إدارات هذه المستشفيات، ولم يلجأ هؤلاء المتميزون إلى ما لجأوا إليه إلا بعد نفاد صبرهم من تعنت هذه الإدارات وعدم اكتراثها بخرقها الصارخ لجملة من القواعد والقوانين المقننة لعمل إدارات المستشفيات، كمحاباة مجوعة من الأطباء على حساب آخرين، أو استحداث أنظمة وقوانين جديدة (بالمقاس) لمصلحة فلان وعلان، أو تعيين من لا يفقه من أمر منصبه شيئاً، أو التجديد في منصب معين لمن تذمر وتضجر منه سكرتاريته قبل الأطباء.
زميل آخر هو الوحيد والأول في تخصصه في المستشفى الذي يعمل فيه، يؤسس لهذا التخصص، وينظم أمور مرضاه، وتبدأ حركة المرضى في الازدياد، نتيجة لكثرة تحويلات الأطباء له، ولزيادة وعي المرضى، كل ذلك كان يستلزم أن يستقل هذا القسم بنفسه، فلم يكن من المدير إلا أن عين أول قادم جديد بأقل خبرة ومؤهلات علمية وإدارية مديراً لهذا القسم الجديد، في ظل استغراب زميلي هذا الذي لمثله وأخلاقياته العالية لم يعر هذا الموضوع أي اهتمام وإنما استمر في أداء رسالته في هدوء.
ولا أنسى في هذا السياق ما يتعرض له هؤلاء الأطباء (الجدد) المنادون بإصلاحات جذرية في المناهج وطرق وأساليب تدريس الطب لمرحلة ما قبل وما بعد التخرج من سوء فهم المسؤولين لمقاصدهم أو تهميشها أو عدم تقديرها أو أن ينبري لهم من لا يفقه في أمر التعليم الطبي شيئاً ظاناً أن أمور التدريب والتعليم كعلاج الضغط والسكري والزائدة الدودية!!
واكتشفت أن من مسببات الاكتئاب المزمن عند الأطباء تفاوت الرواتب الهائل بين مختلف القطاعات لمن يحمل نفس درجة التخصص، (أعني هنا الأطباء السعوديين ولا أعني غيرهم ممن هم من كواكب أخرى لهم عيون زرقاء وشعور صفراء!!)، فإنك تجد ثلاثة أطباء سعوديين مثلاً درسوا وتخرجوا في أماكن مختلفة في الداخل أو في الخارج، ثم انظر إلى مخصصات كل منهم حسب القطاع الذي ينتمي إليه، فلا تستغرب أن لأحدهم ما يبلغ ضعف مخصصات الآخر وأحياناً ما يبلغ حد الضعفين. أنا لا أبالغ وكل من هو في هذا المدار يدرك ما أقول، الطريف في الأمر أن أي حديث أو خبر في الإعلام عن موضوع رواتب الأطباء وإعادة النظر فيها - الجامعيين وأطباء الصحة منهم تحديداً - أصبح من أكثر ما يثير ضحك وسخرية الأطباء. لعله نوع من أنواع الكوميديا السوداء!!
إنه لمن المحزن حقاً أن تجد طبيباً على مستوى عالمي من الكفاءة والأهلية عوضاً عن أن ينغمس في شؤون بحوثه وأحوال مرضاه يصاب بالاكتئاب من جراء أنظمة إدارية خرقاء مجحفة!!
إن من يضيع ثروته يتهم بالصفاقة ومن يضيع ثروة بشرية كبرى كهؤلاء الأطباء فبماذا يتهم؟
جريدة الوطن السعودية - السبت 13 ذو الحجة 1428هـ الموافق 22 ديسمبر 2007م العدد (2640) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
21 ديسمبر 2007
اسمحوا لي أن أقول: إن مهارات التعليم عند الأطباء- بشكل عام- مازالت بدائية جداً، أعني أن تدريبهم لمن هم في محيطهم من طلاب الطب وأطباء مقيمين متدربين مازال دون المستوى المطلوب بمراحل، وأعلم أن هذا حكم قاس قد أتهم بسببه بالغرور والتعالي، أو أني لم أجد ما أكتب عنه إلا في مناكفة زملائي وأقراني، ألا فليكن هذا، فقط انتظر معي-أيها القارئ الكريم- قليلاً وابن حكمك على حيثيات ما أقول ولا تبنه على مجرد عموميات والأخذ بظاهر القول دون الغوص في حقائق الأشياء الذي غالباً ما يكون مزعجا.
من أبسط وأهم مبادئ التعليم، تعليم البالغين خصوصاً، هو تحديد أهداف التعليم، يعني هذا أن نعلم- بالتفصيل- ما المراد من المتعلم إتقانه عند نهاية العملية التعليمية من كفايات علمية، ومهارية، وأخلاقية( سأتجاوز الكفايات الأخلاقية الآن والتي -حسب علمي- لا تدرس في أي كلية طب في بلادنا لطلاب المراحل النهائية، وإن دُرست في كلية أو أخرى فإنها تُدرَس لطلاب السنة الأولى الذين يمضون سنتهم بأكملها- إن لم يكن أكثر- في فك حروف فقرة علمية باللغة الإنجليزية، هذا فضلاً عن أن يفقهوا شيئاً في أخلاقيات المهنة). سيرد علي أحد الأفاضل- المقتنعين بأن جامعاتنا تصنف من أفضل عشر جامعات عالمية- ويقول: إننا نكتب الأهداف في أول صفحة من كل مقرر ندرُسه، وأقول: إن هذا صحيح، ولكن هل صيغت هذه الأهداف صياغة صحيحة؟ (يدرك أبعاد هذا السؤال التربويون) هل اشتملت على أهداف مهارية؟ أم إن أغلبها نظرية علمية؟ وهل صيغت لأجل مجتمعنا وحاجاتنا وراعت ظروف الطلاب والبيئة التعليمية التي تحيط بهم ؟ أم إنها أخذت من أحد المواقع الإلكترونية؟ ثم لنطرق أمراً آخر، هل ما نكتبه من أهداف، هو ما ندرسه، وهو هو ما نقيمه؟ وحتى لا يظن الزملاء أني متحامل، أطلب من المشككين سؤال طلبتهم أو سؤال الأطباء المقيمين عن هذا، بل فلنسأل: من منهم قرأ أهداف المقرر أو التدريب؟ وأكثر من ذلك اسأل من معك من الأطباء المعلمين إن كانوا على علم بهذه الأهداف؟
إن عملية التعلم والتعليم أصبحت وللأسف عملية مبهمة للطبيب المعلم ولطالب الطب على حد سواء، فالطبيب المعلم (غالباً ما يكون حاصلاً على شهادة التخصص في الجراحة أو الباطنة أو غيرهما متبعاً ذلك بالتخصص الدقيق في إحدى التخصصات الفرعية كجراحة الجهاز الهضمي أو أمراض القلب والأوعية الدموية وخلافها) يأتي للحصة التدريبية السريرية ولا يدري ما الذي يجب على هؤلاء الطلاب تعلمه وما الذي يعد تعلمه من باب الاستحسان لا الوجوب، فتجد بعض الأطباء المعلمين يغوصون مع طلابهم في أمور علمية دقيقة لا تنفعهم عند تخرجهم كأطباء عامين وليسوا متخصصين في تخصصات دقيقة كالتي يحملها أساتذتهم، أضف إلى أن هؤلاء الأطباء المعلمين(وأغلبهم استشاريون) لا يركزون على تعليم المهارات السريرية والتي أجمع جل خبراء التعليم الطبي على ضعف تأهيل الأطباء في هذه المهارات-عالمياً- ، وآخرون جعلوا الحصة التدريبية تتمحور حول ذواتهم، فتجدهم- وبسبب عقد نفسية- بحاجة إلى تأكيد أنهم أذكى وأعلم الأطباء في كل وقت وفي كل زمان، وذلك على حساب طلبتهم المساكين، فهؤلاء المعلمون هم أكثر من يتكلم وقت الحصة التدريبية، ولا يعطون الوقت الكافي للطلاب لإبداء وإظهار قدراتهم، بل إن طريقة الاحتكاك وطرح الأسئلة على الطلاب لا يقومان على أسلوب يثري النقاش ويشعل الذهن تركيزاً وتفكيراً (كالأسئلة التي تصاغ بما رأيك في كذا؟ وماذا لو حدث كذا؟ وما هو تحليلك للحالة؟) بل يقومان على أسئلة تركز على استرجاع وتكرار معلومات من الذاكرة(من مثل: اذكر عشرة أسباب لمرض كذا)، ويعلم الجميع أن عملية الاسترجاع هي أدنى مراتب العمليات الذهنية. وإذا قرأ أحد هؤلاء الأطباء المعلمين الاستشاريين آخر التطورات في تخصصه سارع بتعليمها لطلابه في اليوم التالي ناسياً بكل هذه التصرفات والخروقات كفايات التعلم الواجب توافرها في طلابه وأنهم ليسوا في حاجة على الإطلاق لمعرفة نتائج الدراسة الأخيرة التي قد ينشر ما يناقضها بعد يومين.
في استبيان موسع جرى على أكثر من 450 طبيبا ً(تفاوتوا ما بين استشاريين واختصاصيين وأطباء مقيمين متدربين في السنوات الأخيرة والسنوات الأولى من تدريبهم الإكلينيكي) وذلك في عدة جامعات بريطانية، أجمع هؤلاء الأطباء على أن أهم ما يجب على الطبيب المعلم الاستشاري أن يتمكن منه ويتدرب عليه ويتأكد منه هو قدرته على إعطاء تقويم رجعي ( (Feedback فعال، بنَاء، وذلك أن أخطاء المتدرب - والذي قد يكون طبيباً مقيماً أو طالباً- قد تمضي مع الأيام بل أحياناً وحتى فترة نهاية التدريب بدون تصحيح أو تعديل، إذ كيف له أن يعرف أخطاءه ومشاكله التعليمية إن لم يخبره أحد بها، وأشير إلى أنه وفي كثير من الأوقات يعرف مجموع الأطباء العاملين في مستشفى ما أو كلية ما المشاكل التعليمية أو المهارية أو السلوكية عند طبيب أو طالب معين، بل يتندر بها بعضهم ويجعلها مجال سخريته، إلا أن أحداً منهم لم يجرؤ على أن يصارح هذا الطبيب أو الطالب بمشاكله بصدق وموضوعية(ومن دون احتقار) ليتمكن الجميع من التقدم نحو الأفضل، إنه وبدون إعطاء هذا التقويم الرجعي للمتدرب -حتى ولو تمثل بشكل بسيط جداً في صورة كلمة أو إشارة باليد أو حركة موافقة أو رفض بالرأس- سيزهد المتقن والمتفوق من المتدربين - طبيباً كان أو طالباً- في الحرص على تميزه وتفوقه، ويزداد الخامل خمولاً وكسلاً، وهكذا تصبح أجواؤنا وبيئاتنا التعليمية بلا حياة ولا روح، بل تتشبع تثبيطاً وتثاؤباً وسلبية!
وأردأ من كل ما ذكرت أعلاه من يسيء معاملة الطلاب، فلا تجد إلا لسانا سليطاً وقولاً قاسياً مع كثير ٍ من الإهانة والتحقير. ذكر لي أحد أساتذتنا- ممن درست عنده طالباً ومرت السنوات والتقيته مؤخراً في أحد المؤتمرات- أنه وفي استبيان سريع أجراه على مجموعة من طلبة إحدى كليات الطب في بلادنا، وكان قد سألهم عن أكثر ما يريده ويحتاجه طلاب الطب من أساتذتهم، أجمعوا على أنه الاحترام.
جريدة الوطن السعودية - الجمعة 12 ذو الحجة 1428هـ الموافق 21ديسمبر 2007م العدد (2639) السنة الثامنة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 2 »
28 سبتمبر 2007
لا أكاد أتحدث مع زميل طبيب استشارياً كان أم طبيباً مقيماً، سعودياً كان أم غير سعودي وتأتي سيرة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية إلا وبدت ملامح الامتعاض والتذمر وعدم الرضا عن أسلوب التعامل وسرعة إنجاز المعاملات!!
بداية لا يختلف اثنان على ضرورة تقنين وضبط الممارسات المتعلقة بمهنة الطب، بل إن ذلك مطلب اجتماعي ملح وأولوية حضارية للارتقاء بمستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطن، ولا تقل أهمية عمل الهيئة وضرورته عن عمل كليات الطب ووزارة الصحة فالجميع مشترك في منظومة واحدة تسعى إلى تقديم الأفضل والمميز، هذه ثوابت لا يشكك فيها أحد.
و أود لفت النظر في هذا المقال إلى عدة قضايا تتعلق بأداء الهيئة، والحق أن جل ما أكتبه هنا لا يمثل رأياً شخصياً صرفاً بل هو مما أعلم أن كثيراً من الأطباء يشاطرني الرأي فيه:
أولاً: التطويل الممل وغير المبرر لإجراءات التصديق على الشهادات والتسجيل الرسمي للأطباء السعوديين كاستشاريين وتحديداً للطبيبات منهن. فهؤلاء يتعذر عليهن السفر إلى الرياض لإتمام الإجراءات كما يحدث مع زملائهن من الأطباء (الذين فقدوا الأمل في مكاتب الهيئة الصورية خارج مدينة الرياض)، والغريب أن ختم الملحقية السعودية في كندا -مثلاً- على الشهادات لا يعترف به في الهيئة، وأن على الطبيب أو الطبيبة الاستشارية أن يصادق على تصديق الملحقية السعودية من وزارة التعليم العالي، فتمكث المعاملة هناك وقد تتوقف أحياناً لمدة أشهر إلى أن يتم النظر في شهادة الزمالة أو شهادة الماجستير أو الدكتوراه (يتم التأخير أحياناً على أمر غير ذي بال كضرورة إحضار صورة مصدقة من الملحقية السعودية لكشف الدرجات لحملة الماجستير والدكتوراه في حين تكون الشهادة النهائية مصدقة من الملحقية السعودية، والجامعة معترف بها عالمياً!!!) ومما يزيد الأمر غرابة وتعجباً أن يكون هذا الطبيب أو الطبيبة مبتعثاً أصلاً من وزارة التعليم العالي، وكل خطوة خطاها في برنامج التخصص معروفة بالتفصيل الممل لدى منسوبي الوزارة!! وليس هذا الكلام رجماً بالغيب بل هو واقع!! أعرف طبيبة أسنان سعودية حصلت على درجة الزمالة الكندية ودرجة الماجستير ولا تزال أوراقها بين الهيئة السعودية والتعليم العالي لمدة شارفت على الثلاث سنوات!!!
ثانياً: عدة أمور تتعلق ببرامج التدريب للأطباء المقيمين:
* حصر الانتقال من سنة تدريبية إلى سنة تدريبية أخرى بضرورة تجاوز الامتحان النظري السنوي الذي يعقد للأطباء المقيمين، وأعتذر للقارئ الكريم في ضرورة تبسيطي لهذا الموضوع، فنحن لسنا بصدد المرحلة الابتدائية أو الثانوية أو حتى الجامعية لنبرر هذا الهوس (إن كان مبرراً) بالعملية التقييمية النظرية لهذا الحد لمجال تخصص يعتبر تطبيقياً عملياً لا نظرياً صرفاً، بل نحن نتحدث عن مرحلة دراسات عليا ما زالت تسيطر عليها أجواء الحفظ والتلقين والتي ورثناها كابراً عن كابر في أنظمتنا التعليمية المعادية وللأسف لأجواء التفكير والإبداع!! وإنك لا تكاد تجد طبيباً مقيماً واحداً في المستشفيات في فترة ما قبل الامتحان السنوي هذا، فأغلب هؤلاء يقتطع من إجازته مكرهاً ليتفرغ للدرس والتحصيل!! ولا تسل عن طريقة صياغة الأسئلة وتنوعها وهل هي تقيس ما أريد قياسه أم لا؟ فهذا ترف فكري دعونا منه الآن، ولنركز على ضرورة إعادة النظر في أساليب تقييم هؤلاء الأطباء، هناك أساليب تقييم حديثة ومنوعة ومقننة يعرفها المشتغلون بالتعليم الطبي (وما أكثر الأطباء السعوديين من هؤلاء) مبنية على حقيقة ما سيعمله الطبيب في حياته العملية، شاملاً أخلاقيات وسلوكيات الطبيب مع مرضاه،ودقة الطبيب في التشخيص والفحص والتدوين، بالإضافة إلى آليات أخرى تندرج تحت ما يسمى بتقويم الأداء، هذا إلى جانب مساهمة الطبيب المقيم في أعمال بحثية أو مشاريع تعليمية تطويرية تهدف إلى تحسين العناية بالمرضى، كل ذلك عليه أن يندرج تحت ملف المتابعة الذي يجب أن يسجل فيه الطبيب المقيم مساهماته وأعماله، إنه من الحري أن يتم السعي إلى تطوير أساليب تدريب الأطباء وتقويمها وتقويم القائمين عليها بدقة شديدة، ومن ثم تتطور أساليب التقويم تبعاً لذلك، وحينها لا تصبح المعرفة النظرية التي تُقيَّم في الاختبارات السنوية للهيئة هي الأساس، بل مجرد وسيلة وطريقة من وسائل وطرق التقويم المتعددة تبين أن المعرفة النظرية لهذا الطبيب المقيم تتطور من سنة إلى أخرى(لأنه في برنامج تدريبي متطور ومميز!)، لا أن يصبح هذا الاختبار النظري هو الأساس والمرجع وكل شيء في هذا التقويم السنوي.
* الاختبار النهائي للزمالة السعودية مازال يحتوي على أسلوب الحالة الطويلة، هذا الأسلوب الذي تخلت عنه معظم دول العالم، واستعاضت عنه بأنظمة تقويمية شاملة عالجت جل العيوب والمآخذ المرتبطة بهذا الأسلوب، لعل من أهم هذه العيوب أنها غير مقننة فالحالات المختبر عليها مختلفة من طبيب إلى آخر وليست ثابتة، والمريض في أول النهار ليس هو هو في آخره حين يتكرر عليه أكثر من مختبر ويصاب بالتعب والسأم والملل فلا يتجاوب بالشكل المطلوب وهو معذور في هذا، ثم إن ما يسأله الاستشاري الممتحِن للطبيب المقدم لاختبار الزمالة يتفاوت من حالة لحالة ومن ممتحن إلى آخر بدون وجود توحد فيما سيتم سؤاله وتقويم الأطباء عليه، بل إن معلومات ومعرفة وخبرة الطبيب المقدم لاختبار الزمالة في حالة ما قد تكون أفضل من ممتحِنيه!!، وذلك حين تكون الحالة المختبَر عليها مصابة بمرض بعيد عن تخصص الاستشاريين الممتحِنين، إنه وبهذا الأسلوب الحديث الشامل لا يعود نجاح الطبيب المسكين بعد نهاية سنوات تدريبه العجاف مقتصراً على مزاج ممتحِنيه !!
ثالثاً: الازدياد المطرد للرسوم التي تطلبها الهيئة ممن هم على علاقة وثيقة بها، حالياً رسوم التسجيل السنوي للأطباء المقيمين بلغت 4500 ريال، وهي قابلة للزيادة حسبما سمعت، وقد أطلعني أحد الزملاء المشرفين على إحدى الجمعيات الطبية السعودية الرائدة على خطاب للهيئة تلزم فيه أي جمعية أو كلية أو مستشفى تسعى لاعتماد الهيئة الأكاديمي لساعات مؤتمر علمي أو حلقات عمل أو ندوة علمية بدفع 15000 ريال كل أربع سنوات ثم 50 ريالاً لكل ساعة. وهذا ولاشك سيثقل الأعباء المالية على من يسعون إلى الارتقاء بمستوى زملائهم الأطباء، أضف إلى ذلك أن هناك عدة قطاعات أكاديمية تقوم بتدريب أطباء مقيمين منخرطين في برامج الزمالة السعودية تحت إشراف الهيئة بدون أي عائد مادي سواء كان للاستشاريين المدربين أم للمؤسسة الأكاديمية التابع لها هؤلاء الاستشاريون!!
هذه جملة قضايا جاءت على سبيل التذكير والإشارة لا الحصر، وأعلم أن هناك العديد من الأطباء ممن يحملون رؤى أعمق وأشمل مما ذهبت إليه ولكنهم يحجمون عن إثارة النقاش من باب السأم واليأس، وآخرون مازالوا في طور التدريب ويخشون على مستقبلهم من أن يتأثر بحقد حاقد. وأنصح الجميع بألا يكثر من تناول مسكنات الصداع خوفاً من الإصابة بأعراض جانبية خطيرة، لأن صداع الهيئة يبدو أنه من النوع المتمرس المزمن!!
جريدة الوطن السعودية - الجمعة 16 رمضان 1428هـ الموافق 28 سبتمبر 2007م العدد (2555) السنة السابعة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
31 يوليو 2007
ما منا من أحد في مجال التربية والتعليم - في أي مرحلة كانت - إلا وسوف يعتلي سدة عمل إداري أكاديمي ما أو يسهم على الأقل في هيكلة إدارة كلية أو مدرسة أو قسم أو حتى لجنة من اللجان وما أكثرها في أنظمتنا الأكاديمية. ونظير معايشتي لعدة هياكل أكاديمية في الداخل والخارج، فإنه قد تكونت لدي تصورات عن أنماط فكرية وطبائع تنفيذية لأشخاص إداريين أو لإدارات كاملة. وتمثل هذه في معظمها مزالق خطيرة تعرقل مسيرة التطوير الأكاديمي الذي ارتفعت أصوات المنادين به مؤخراً، بل تكبله وتسجنه في ظلام غياب الهوية وضياع الفاعلية الذي تعيش فيه - وبدرجات متفاوتة - جل جامعاتنا وكلياتنا.
وإليكم جانباً من هذا القاموس الوصفي لخللنا الإداري الأكاديمي، ولا تعجب أيها القارئ الكريم إن وجدت نفسك أو إدارتك في واحد أو أكثر - لا قدر الله- من هذه الأنماط، فجميعنا نتلبس بهذه الأنماط وبدرجات متفاوتة، لكن المهم - وكما هو في الثقافة الطبية- التشخيص أولاً، حتى لا يجلس الواحد منا عمره الإداري كله قارفاً لنفسه مقرفاً غيره ومفسداً لمشاريع التطوير والتحديث، ومن ثم العلاج ثانياً.
النَزقية: جاء في المحيط أن (النزق) (بفتح الزاي) الخِفَّةُ والطَّيْش في كل أمر؛ في كلامه نَزَق: العَجَلة في جهل وحُمْق، ومن معانيها أيضاً- كما في لسان العرب أنزق الرجل أي سفه بعد حلم. وأعرفها فأقول إنها خليط إذا من الخفة والعجلة والسرعة في اتخاذ القرارات والتي قد تكون مصيرية مع كثير من الجهل بواقع المؤسسة التعليمية واحتياجاتها وكثير من الحماقة والصفاقة اللتين لا تمنعان المسؤول من اتخاذ قرار -هو بنفسه- يرى فشله قبل أن يخبره غيره بحتمية هذا الفشل. أصحاب هذا النمط يتصفون بأنهم لا يملكون أي نظرة أو رؤية مستقبلية لمؤسستهم التعليمية، وهم مزاجيون لأبعد الحدود، من العسير أن تقنعهم أو تتفاهم معهم، لا يؤمنون بالتخطيط وجدولة الأعمال وإنما العشوائية في كل شيء، كما أن أغلب القرارات تكون مبنية على ردود أفعال وعلى ما قاله فلان وما أعاده علان.
السذاجة الإدارية: جاء في المحيط: السذاجة: البساطة والافتقار إِلى الحُنكة؛ عُرف هذا البَدَوي بِسذاجته، وجاءت الكلمة في المغني بمعنى سلامة النية. وأعرفها فأقول إنها خليط إذا من الخيرية والغباء والبساطة-غير المحمودة- والتي يتصف بها كثير من المسؤولين (الطيبين) البلهاء الذين غالباً لا يصلون إلى مناصبهم إلا رغبة فيمن هم أقل أو أعلى منهم في التحكم بهم وفي السيطرة على إداراتهم! هم عادة لا يعرفون ماذا يفعلون ولا كيف يتصرفون وإنما دائماً ينتظرون من غيرهم التوجيه والإرشاد! يسعون دائماً إلى إرضاء ومحاباة جميع من حولهم وإن كان على حساب مؤسستهم الأكاديمية، والحديث عن خطط مستقبلية أو رؤى بعيدة المدى يعتبر لديهم من باب الترف الفكري ولزوم مالا يلزم! ومن أكثر ما يتشبث به أمثال هؤلاء هو الحرفية في تطبيق النظام لدرجة تعرقل النظام نفسه، ومن أهم أسباب هذا التشدد الخوف غير المبرر من تحمل تبعات أي قرار يتخذونه مهما كان هذا القرار في صالح المؤسسة الأكاديمية!
الخبث والعقلية الكيدية: الكيد في اللغة هو إرادة مضرة الآخرين خفية، كما جاء في المحيط، ويأتي أيضاً بمعنى المكر والخبث، أما الخبث فهو فساد الأخلاق والغدر والخديعة، وفي الإدارة التربوية الأكاديمية هو نشر روح الغاب بين أعضاء المؤسسة، فالكل يتربص بالكل! الخطابات السرية تسرح وتمرح في
أجواء المؤسسة الأكاديمية، شاغلة معها من كتبها ومن سيرد عليها ومن سيعلق على الرد ومن سيستمع إلى حكاياتها ومغامراتها! أضف إلى ذلك الشكاوى الكيدية التي تتكدس في مكاتب المسؤولين، فالكل في مثل هذه الأجواء المَرَضية (بفتح الراء) يدون ويجمع ويؤلف ملفات سرية عن الكل، يجمع كل شيء وأي شيء عن فلان وعلان بل حتى عن السكرتير والبواب! لأنه وفي يوم ما وفي ساعة ما سينقض بوثائقه التي جمعها في هذا الملف ساحقاً ماحقاً خصمه وبالضربة الفنية القاضية! والكل هنا يبتسم في وجه الكل عند اللقاء والمواجهة وأمام المحافل العامة، والحقيقة أن الكل يبغض الكل، ولا يضيع فرصة مهما كانت صغيرة في تشويه السمعة وإنقاص القدر بأساليب احترافية عالية في اجتزاء الكلام وتحوير العبارات مع كثير من البهارات العاطفية الكاذبة! لدرجة أن مشروعاً تطويرياً قد يفشل لا لشيء إلا لأن فلاناً أتى به، ولا يمكن أن نقبل عملاً لفلان هذا! والإدارات الأكاديمية في مثل هذه الأجواء لا تعبأ إلا بأساليب وفنون المناطحة، ولا تكترث ببث روح الفريق الواحد أو بخطط مستقبلية أو رؤى تطويرية، بل تحرص وتسعى لتكوين المناصرين والمؤيدين لقراراتها مهما كانت من عصور ما قبل الحجرية!
عقلية البعد الواحد: وهنا يستفرد شخص أو مجموعة من الأشخاص باتخاذ القرارات المصيرية للمؤسسة الأكاديمية غير عابئين بآخر مستجدات العملية التعليمية وما يستلزم ذلك من قرارات وخطوات مواكبة لهذه التطورات، ولا ينظرون إلى احتياجات مؤسساتهم الأكاديمية الحقيقية بل هم من يقرر هذه الاحتياجات فهم الخبراء والمديرون أصحاب الرأي والخبرة وغيرهم من زملائهم وفي نفس المؤسسة لا علم ولا دراية لهم! هم يتبعون سياسة “إذا لم تكن معي فأنت ضدي” وهم يضيقون ذرعاً بكل صور النقد البناء وأشكاله، بل لا وقت لديهم حتى لسماع الرأي الآخر، بل من يجرؤ على أن يتفوه برأي آخر؟ وإن حصل وخرج أحدهم عن المألوف وجاهر برأي فلن يكون مصيره غير الإبعاد والتنحية والتهميش.
إستراتيجية الترقيع وتمشية الحال: وهذه الصفة النمطية موغلة في التجذر في مؤسساتنا الأكاديمية، ولا يكاد ينفك منها أحد! فأي إدارة جديدة تدخل تلعن سابقتها، إذ لاوجود لسياسة أكاديمية موحدة تسعى وتسير إليها المؤسسة الأكاديمية مهما اختلفت وتعددت الإدارات، فكل إدارة تسير أمورها هكذا وكيفما اتفق، لا أهداف واضحة، ولا خطوات عملية مدروسة جادة من أجل التطوير والتحديث، بل ترقيع “إستراتيجي” من هنا وهناك بلائحة أعمال قائمة على المصادفة والرغبات اللحظية، وذلك ناشئ لسبب بسيط جداً هو غياب الهوية إذ إننا لا ندري ماذا نريد؟
وبعد فهذا جانب من هذا القاموس الذي تتعدد فيه الأنماط والأساليب الإدارية، وأظن أنه وللأسف قاموس ليس بالصغير، وما آمله ونتطلع إليه جميعاً هو إدارات حية، فيها روح الفريق الواحد، لديها رؤى تطويرية وخطط مستقبلية، يسمع فيها رأي الخبير المتخصص، تسمح بالنقد البناء، توظف طاقات جميع أعضائها، في جو يشجع على العمل والإنتاج. أظن أنني أحلم
جريدة الوطن السعودية - الثلاثاء 17 رجب 1428هـ الموافق 31 يوليو 2007م العدد (2496) السنة السابعة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »